الخميس، 1 سبتمبر 2016

بياتريكس بوتر.



(1)

قبل فترة مررت خلال تصفحي لموقع ويكي آرت بهذا الرسم الأخّاذ، تأملته لوقت قبل أن أنتبه إلى عنوانه الذي يشير إلى كونه ضمن سلسلة من رسومات توضيحيّة لـ "خيّاط غلوستر – The Tailor of Gloucester"، اسم مؤلفة الرسوم مألوف عندي، لكنني لا أذكر أين مر بي بالضبط، استعنت بقوقل فتذكّرت ما أعرفه عنها: بياتريكس بوتر! مؤلفة العديد من قصص الأطفال التي لم أقرأها من قبل إنما أعرف بعض شخصيّاتها، الأرنب بيتر وبينيامين. بسبب الرسوم الآسرة لعمل خيّاط غلوستر، ولأن الفئران لها دور رئيس في هذه القصة، قرأتها، ثم شاهدت مسلسلًا كرتونيًا مصورًا مأخوذًا منها، تمكّنت من قلبي فابتعت على الفور أعمالها الكاملة لقارئي الإلكتروني: كندل.

قرأت كلّ أعمالها، عدا العمل الذي يصدر اليوم بالطبع، وبمناسبة صدوره خطرت لي كتابة تدوينة سريعة عن كاتبة أحببت فيها حب وتربية القوارض التي ملأت حياتها وأعمالها وفلاحة الأرض ورعي الأغنام -فعلت أغلب ما أود فعله في هذه الحياة-.


(2)

بياتريكس وأحد فئرانها.
ولدت هيلين بياتريكس ﭘوتر* – Helen Beatrix Potter (1866- 1943) لعائلة ثريّة، ما مكّنها من التعلّم والاستعداد لحياة مليئة بالإبداع ومطاردة الشغف الذي يدور في فلك الطبيعة، من علم النبات إلى الكتابة ثم الزراعة والرعي، بشكلٍ يختلف عن بقية الفتيات آنذاك اللاتي يتم إعدادهن للبقاء في البيت والانخراط في حفلات الشاي. لم تذهب هيلين إلى المدرسة، لكن والدها اهتم بتعليمها في المنزل، فوظّف لها المربيات المثقفات ومعلّمة رسم. كان لها اهتمام بالنبات والطبيعة في أول شبابها، فقضت وقتًا في مراقبة الفطر، كتبت بحثًا قدّمته للجمعية العلميّة حوله لكنه رُفض، يعزو البعض سبب الرفض لكونها أنثى، بينما البعض الآخر يقول لضعفه. واصلت الرسم، كانت ترسم الرسوم التوضيحيّة لبعض الكتب قبل أن تزاوج موهبتها في الرسم بالكتابة وتكتب أولى قصصها للأطفال "حكاية الأرنب بيتر"، الحكاية التي رفضت دور النشر التي توجّهت إليها بوتر نشرها، وبعد أن نشرتها في طبعة خاصة ومحدودة، ولاقت إعجابًا، أرسلت دار نشر "فريدريك وارن آند كو – Frederick Warne and Co" التي تعاملت معها بقية حياتها إليها تطلب منها إعادة رسم رسومات القصة لتنشرها في العام التالي، ومنذ ذاك، نشرت لبوتر قصة كل عام -نشرت قصتين في بعض الأعوام- على مدى عشرين عامًا -تقريبًا-. بعد سنوات قليلة، بدأت بوتر بشراء المزارع والأراضي في ليك ديستريكت، رغبةً بها وحمايةً للبيئة من مد المصانع -حتى لا يبيعها مالكوها لأصحاب المصانع-. كما كانت تقوم بجزء من أعمال الزراعة والرعي بنفسها.
*ﭘوتر، لكن لأنها أسهل في الكتابة ومن أجل نتائج البحث أكتبها بوتر في بقية المواضع.


(3)

منذ طفولتها، أحبت بياتريكس الرسم، فكانت تقضي الساعات الطوال برفقة أخيها الذي يصغرها بست سنوات في رسم الحيوانات، كما أنها أعادت رسم بعض الأعمال التي تحبها، مثل سندريلا وأليس في بلاد العجائب. أيضُا كانت ترسم النباتات منذ صغرها، ليس لأن "الموضة" آنذاك أن ترسم فتيات الطبقة الراقيّة النباتات، ولع بوتر بالطبيعة بدأ معها منذ سنينها الأولى واستمر معها طيلة حياتها، وكان أشبّه بالبوصلة التي توجهها. لم تلتحق بالمدرسة قط، لكن عائلتها وظّفت معلمة رسم ومربيات أخريات لتعليم الابنة. أولى "عارضي" بوتر من الحيوانات الذين رسمتهم، أرنبها بنيامين، وأرنبها بيتر، وحولهما دارت بعض حكاياتها. قبل أن تنشر بياتريكس عملها الأول، كان لها اهتمام علمي، قبل أن تتجه إلى رسم رسوم توضيحيّة لإحدى دور النشر، بجانب رسم بطاقات بريديّة وبطاقات تحايا. 
الأرنب الأبيض من رواية أليس في بلاد العجائب.
رسم: بياتريكس بوتر.

جاء عملها الأول "حكاية الأرنب بيتر" نتيجة رسالة مصوّرة كتبتها لنويل ابن مربّيتها في ثمان صفحات، بعد تشجيع من المربّية على نشره، استعادت الرسالة مؤقتًا من نويل ونسختها ثم قامت بتحسينها وإضافة المزيد من الرسومات، عرضته على عدة دور نشر لكن لم يقبل نشره أحد، فتوّلت في كانون الأول/ ديسمبر من عام 1901م. نشر طبعة محدودة على نفقتها، وزّعتها على العائلة والأصدقاء. انتشر العمل وتم تداوله لدى شريحة لا بأس بها، فعادت دار "فريدريك وارن آند كو" إلى مراسلة بوتر، بعد أن كانت قد رفضت نشر العمل، طالبةً منها إعادة رسم رسومه التوضيحيّة بالألوان من أجل نشره، الرسوم التي لم تلوّنها بوتر في بادئ الأمر لتبقي على سعر الكتاب خفيضًا. لوّنتها وقلّصت عددها من أجل مسألة السعر، نُشر العمل في تشرين الأول من العام التالي، وحقّق فورًا أعلى المبيعات. ثم نشرت في العام التالي "حكاية السنجاب نوتكين – The Tale of Squirrel Nutkin" و"خيّاط غلوستر" مع ذات الدار. 

لم يقتصر نشاطها آنذاك على الكتابة والرسم فحسب، بل صنعت دمية لشخصيّتها الأرنب بيتر بنفسها، كما رسمت لها ألواح لعب، أنتجت أطقم للمطبخ وورق حائط وتقاويم وكتب تلوين وخلافه، العديد من البضائع التي حققت منها، إضافةً إلى كتبها، أرباحًا مكّنتها من امتلاك مزارع وأراضي قامت بتشغيلها والعيش منها. مع هذا لم تكن أسعار كتبها مرتفعة، إذ أصرّت بوتر على أن تكون منخفضة وفي متناول الجميع. كما يُذكر أنها أول من قامت بتسجيل شخصيّة أدبيّة في مركز براءات الاختراع في العالم، إذ سجّلت شخصيّة الأرنب بيتر في عام 1903م. 

خلال تعاملها مع الدار، نشأت صداقة تبدّلت مع الوقت إلى حب مع محرّرها نورمان وارن – Norman Warne. عرض نورمان الزواج على هيلين عبر رسالة في أحد أيام 1905، فأجابته بالموافقة في اليوم ذاته، دون مناقشة الأمر مع والديها، اللذين حال علمهما بعزم هيلين على الزواج منه غضبا ورفضا لاعتبارات طبقيّة. لكن، أمام إصرار هيلين قبلا على شرط ألّا تعلن الخطوبة إلا بعد أشهر، بفرض أنها قد تتراجع خلال هذا الوقت فلا يكون هنالك "نقطة سوداء" في تاريخ العائلة من إعلان الخطوبة. بعد شهر من الخطوبة وتبادل الخواتم سرًا، مات نورمان في السابعة والثلاثين، بشكلٍ مفاجئ، نتيجة إصابته بسرطان الدم. حينذاك، عزمت هيلين أمرها وابتاعت مزرعة "ذا هيل توب" في "ليك ديستريكت" من أرباح كتبها وفي رواية من أرباح كتبها ونصيبٍ من ورث ، المزرعة التي كانت تنوي مع نورمان شراءها لتكون مصيفًا لهما، واستقرت هناك بقيّة حياتها، واستقلت عن عائلتها ماديًا. نشرت بوتر خلال حياتها ثلاثة وعشرين حكاية للأطفال، وتقاويم وكتب تلوين، كما صنعت دمى وألواح لعب وغيرها، وتُنشر اليوم، الأول من أيلول/ سبتمبر الحكاية التي اكتُشفت العام الماضي. يباع من كتبها التي لا تشيخ أكثر من مليونيّ نسخة سنويًا حول العالم، بمعدّل أربعة كتب كل دقيقة.


(4)

في بداية عشرينيّاتها، كان لدى بوتر ولع بالفطريّات -جمع فطر-، فكانت تجمع أنواعها بنفسها وتراقبها وتفحصها تحت المجهر وتزور متحف التاريخ الطبيعي لدراستها. آنذاك، كان التعليم العلمي غير متاح للنساء، كما لم يكن من المسموح لهن الالتحاق بالجمعيات العلميّة، وعليه فكانت "العالمات" بمثابة الهاويات، كما تقول ليندا لير التي كتبت سيرة لبوتر، ليس لضعف في دقتهن العلميّة أو مثابرتهن إنما لعدم وجود تعليم ودعم لهن ولا اعتراف بهن، كانت العالمات يتعلّمن بشكل ذاتي، قلّة نادرة فقط من أتيح لها غير هذا. رسمت بوتر آنذاك رسوم دقيقة ورائعة لأنواع عدة من الفطر، بحسب لير كان هذا لأسباب جمالية، كانت بوتر مأخوذة بأشكال وألوان الفطر، والصفات "السحريّة" الملصقة به، قبل أن يتحوّل هذا الشغف الجمالي الذي شمل كل ما تنتجه الطبيعة أمام بوتر إلى شغف بحثي علمي بالفطر. كان اهتمامها منصبًا بشكلٍ خاص على تقنيات الرسوم التوضيحيّة العلميّة، وتصنيف الفطر، وكيفيّة إنتاجه. كتبت بوتر آنذاك ورقة عن إنتاش الأبواغ الغاريقونية، قدّمتها لجمعية ليناين – The Linnean Society  العلمية عن طريق أحد أقاربها إذ لم يكن مسموحًا للنساء بالمشاركة، فقام بعرضها نيابة عنها، ولم تحضر جلسة العرض حتى، لكن تجاهلت الجمعيّةُ الورقة، وفي رواية طلبت منها المزيد من العمل عليها لتُقبل لكن بوتر لم تفعل، بل انصرفت منذ العام ذاته -1897م.- بعد عقد من الدراسة والملاحظة للفطريات إلى أعمال الرسم للبطاقات والكتب وخلافه، ثم إلى كتابة أدب للأطفال. يوجد جدل حول أهميّة بوتر العلميّة، لكن المتّفق عليه بين المتخاصمين أن لا شيء يضاهي دقة رسوماتها التي شارفت على الأربعمئة رسمة توضيحيّة لأنواع عديدة من الفطر، الرسومات التي يُرجع إليها حتى الآن، والتي بعد مضي قرن -تقريبًا- عليها، اعترفت الجمعية بدقّتها وأنها مرجع للباحثين في علم الفطريات، أثناء اعتذارها عن تمييزها القائم على الجنس في وقتٍ مضى والطريقة التي عاملوا بها بوتر.


(5)

كما أشرت في المقدمة، "خياط غلوستر" أول عمل قرأته لبوتر، وهو أحب أعمالها لدي. العمل مقتبس من واقعة حدثت في غلوستر، حيث تسلّم الخيّاط طلبًا، ثم مرض دون أن ينجزه، وحين تعافى ونهض في يوم التسليم وجد أن القطعة مُنجزة! يصر الخياط على أن هذا حدث خارق، وأن أحدًا لم يمسس قطعته وعدّته، بينما يروى أن مساعده قد أنجزها، أما بوتر فقد طرحت خلال عملها فرضيّة أخرى: الفئران من حاكت الصدار! رسوم العمل أخّاذة، بديعة، حقًا أعجز عن وصفها. صحيح أنني أفشيت سر القصّة، لكن ستظل قراءتها مشوّقة. بعدما قرأت العمل شاهدت هذه الحلقة عن الحكاية، من المسلسل الكرتوني الرائع "The World of Peter Rabbit and Friends" الذي صوّر بعض قصص بوتر في تسع حلقات، قريبة جدًا من أعمال بوتر. مر وقت طويل جدًا منذ آخر مرة شاهدت فيها رسومًا كرتونيّة لطيفة هكذا.


(6)



إحدى الأعمال التي أحببتها لبوتر أيضًا "حكاية هونكا مونكا" أو "حكاية الفأرين السيئين – The Tale of Two Bad Mice"، له قصة مختلقة إنما جميلة في فيلم "الآنسة بوتر – Miss potter" المنتج عام 2006م. الفيلم يخلط ما بين حياة بوتر وأعمالها، يصور بعض الأحداث في أعمالها مثل وقائع، بغض النظر عن عدم الدقة لكنه جميل. حسنًا، الفيلم يرد أصل الحكاية إلى إحدى المرات التي أهدى فيها والد بوتر منزلًا لها، لأنها ستصبح ربّة منزل في المستقبل؛ فهذه هي اللعبة التي تناسبها. بوتر المشاكسة، والتي لا تطمح إلى مستقبل كهذا، أخذت من حيواناتها الأليفة فأرين ووضعتهما في المنزل، وراحت تقص على أخيها والمربيّة قصتهما حين دخلا منزل الدميّة وما حدث لهما فيه وما حدث بعد ذلك. لا أعرف أيهما أفضّل، القصة المختلقة أم القصة التي حدثت فعلًا، إذ في الحقيقة كتبت بوتر القصة بمشاركة ناشرها وصديقها: نورمان وارن، حيث أخذت الفأرتان من مصيدة قريبة لها، ربّتها، ثم خطرت لها فكرة كتابة حكاية أخرى غير خياط غلوستر عن الفئران. أثناء حديثها مع نورمان علمت بأمر المنزل الصغير الذي يصنعه في ورشته ليهديه إلى ابنة أخيه الصغرى، أطلعها عليه، ومعًا خرجا بفكرة الحكاية.



(7)

الرسم الوحيد الذي رسمته بوتر لحكاية كيتي.
أمّا عن العمل "The Tale of Kitty in Boots" الذي ينشر اليوم، فتعود رحلة البحث عنه إلى عام 2013م.، حيث وجدت ناشرة ومحررة أدب الأطفال في بنغوين، جو هانكس، في كتاب عن سيرة بوتر يحوي بعض رسائلها -نافد منذ السبعينيات الميلاديّة- إشارة في إحدى الرسائل التي تبادلتها مع ناشرها، مؤرخة بعام 1914م.، إلى عمل أنهت كتابته لكنها عالقة في رسومه، عن قطة مهذبة تعيش بهويّتين. فبحثت جو عن العمل الذي وجدت له ثلاث مسودات مكتملة في  مقتنيات متحف فكتوريا آند ألبرت – Victoria and Albert Museum، إحداها مطبوعة، ما يعني أن نشرها لم يكن بعيدًا، لولا أن بوتر لم ترسم للعمل سوى رسمة واحدة، ثم وبحسب إحدى رسائلها التي قالت فيها أنها أرادت نشر العمل، قاطعتها الحرب العالميّة الأولى، ثم الزواج والمرض، فوضعت العمل جانبًا ولم تعد إليه. خلال إعداد العمل للنشر، بحثت بنغوين عن رسّام يتولى رسوم العمل، المهمة التي أوكلوها إلى كوينتين بليك، أبرع وأشهر رسام في بريطانيا، وأقدرهم على مقاربة حساسيّة بوتر بحسب هانكس -شخصيًا لا أتّفق مع مسألة الحساسيّة هذه-. هنا مقتطف صوتي من مقدّمة العمل مصحوب برسوم كوينتين بليك.


(8)

الفيلم جميل، يبدأ منذ توجّه بوتر إلى دور النشر حاملة مسودّة الأرنب بيتر، وينتهي عند المرحلة التي بدأت فيها بما قد يسمى "نشاطها البيئي"، لم يتطرق إلى محاولاتها العلميّة، ولا زواجها الثاني من السيّد ويليام هيليز، محاميها وصديقها. كما أن ترتيب الأعمال في النشر لم يكن صحيحًا. أحببت فيه كيف يعبّرون عمّا تراه بوتر في كائناتها التي ترسمها، وقصصها، كما في المشهد الذي تلى فقدها لنورمان، حين كانت ترى "العوالم" التي رسمتها متحركة، وتقفز الكائنات من ورقة إلى أخرى، وبوتر تلاحقها محاولة السيطرة على تمرّدها. الفيلم جميل من الناحية التصويريّة، أحببته، لكن كان من الممكن أن تُوظّف أحداث من حياة بوتر في هذا الفيلم ليصبح أجمل.


(9)

المصادر، وللمزيد من القراءة عن بوتر وعملها الأخير واهتمامها بالفطريات والبيئة:
1.
2.
3.
4.
5.
6.