الخميس، 21 سبتمبر 2017

مسرحيّة "الناس" – سوزان غلاسبيل.

مسرحيّة الناس. مسرحية فصل واحد-
سوزان غلاسبيل، ١٩١٧.  
The People - Susan Glaspell, 1917.
ترجمة: ريوف خالد.


سوزان غلاسبيل   (سوزان گلاسپل ١٨٧٦ - ١٩٤٨م.) صحفيّة وروائيّة وقاصّة، ممثّلة ومنتجة ومخرجة وكاتبة مسرحيّة أميركيّة. نشرت أكثر من خمسين قصّة قصيرة، وتسع روايات، وأربع عشرة مسرحيّة وسيرة ذاتيّة واحدة. عملت في الصحافة لسنتين بعد تخرّجها من الجامعة، ثم تركت الصحافة عام ١٩٠١م. وعزمت على كسب عيشها من التفرغ للكتابة القصصيّة. أسست بعد ذلك مع زوجها شركة "بروفينستاون بلايرز" المسرحية، وبدأت تكتب وتخرج المسرحيات وتمثّل فيها أحيانًا. وهي من أدّت دور  المرأة القادمة من آيداهو في مسرحيّة "النّاس". كتبت من ١٩١٦ حتى ١٩٢٢ تسع مسرحيات، من بينها مسرحية "توافه - Trifles" وقصة "هيئة محلفين من نظيراتها - A jury of Her Peers" التي باتت أشهر أعمالها اليوم إثر دراستها ضمن الدراسات النسويّة، وقد نشرت ترجمتها هنا. حصلت على جائزة البوليتزر عام ١٩٣٠م. من أجل مسرحيّتها "حجرة أليسون - Alison’s Room"، المسرحية المبنية على حياة  الشاعرة الأميركيّة إيميلي ديكنسون - Emily Dickinson، وقد كانت آخر مسرحيّاتها. تعد كاتبة نسويّة رائدة، وأول كاتبة مسرحيّة أمريكيّة حديثة مهمة حظيت باهتمام النقاد. كما يعزى إليها الفضل في اكتشاف موهبة المسرحي يوجين أونيل - Eugene O’Neill الذي حصل على عدّة جوائز من بينها جائزة نوبل في الأدب عام ١٩٣٦م. هنا المسرحيّة في ملف pdf لتسهيل القراءة.







الشخصيّات:  
مُحرِّر مجلّة النّاس: إدوارد ويلز، المُحرِّر المُساعد: أوسكار تريب، الرسّام، سارا، النّاشر: توم هو، الصّبي القادم من جورجيا، المرأة القادمة من آيداهو، الرجل القادم من كيب، التوجّه الجاد، اللمسة المرحة، الأناركي، الفيلسوف. 

(المكان: مقرّ مجلة "الناس" -مكتب، مخطوطات ومجلّات على الطاولة، على الجدران ملصقات ثوريّة، لفائف من الورق مُلقاة على الأرض- مكتب المطبوعة الراديكاليّة المُفلسة. تُفتح الستارة وأوسكار يكتب على إحدى حافات الطاولة. يوجد باب إلى الخلف وباب إلى اليسار. يدخل توم هو من الباب الخلفي في يده مسودّة الطبع.) 

توم:
لماذا تكتب؟ 
أوسكار:
(بحيويّة) لأنني كاتب! 
توم:
أظنّ أنك قد قلت لن يكون هنالك عدد آخر من "الناس". 
أوسكار:
(بوقار) أنا أكتب. 
توم:
توجد امرأة تحمل حقيبة سفر. 
أوسكار:
ماذا يوجد بداخلها؟ 
توم:
تريد أن تلتقي المُحرّر. 
أوسكار:
(بعد برهة من الكتابة) حسنًا. 


(يخرج توم، تدخل امرأة تحمل حقيبة سفر، تبدو المرأة في منتصف العمر، وترتدي ملابس بسيطة لا تتبع الموضة. المرأة في حالة منقبضة قليلًا، مع ذلك حين وقفت عند المدخل وقلّبت نظرها في الحجرة الخالية بدا وجهها مثل وجه من قطع مسافة طويلة ليصل إلى مكانٍ رائع.) 


المرأة:
هذا مكتب "النّاس"؟ 
أوسكار:
آهه.  
المرأة:
(بتلهّف) جئت للقاء كاتب هذه الكلمات الرائعة. 
أوسكار:
(واقفًا) أي كلماتٍ رائعة؟ 
المرأة:
عن السعي إلى بقاع جميلة. 
أوسكار:
آه، هذه كلمات السيد ويلز الرائعة. (يعود إلى الكتابة مثل شخص فقد اهتمامه) 
المرأة:
هل يمكنني رؤيته؟ 
أوسكار:
لم يأتِ بعد. لقد عاد لتوّهِ من كاليفورنيا، ولن يكون في المكتب إلا في وقت متأخر قليلًا.  
المرأة:
(بحماسٍ مكبوت) كان في كاليفورنيا؟ قد تجوّل في البلاد لتوّه؟ 
أوسكار:
نعم، في رحلة طويلة. كان منزعجًا جدًا عندما هاتفني.  
المرأة:
(متألمة) أوه، لا. أظنّ أنك مخطئ. 
أوسكار:
هل من شيء ترغبين لقائي من أجله؟ 
المرأة:
(بعد تفكير) يمكنني أن أراه لاحقًا، أليس كذلك؟ 
أوسكار:
بلى، إذا كان أمرًا مهمًّا. سيكون مشغولًا جدًا بالطبع.  
المرأة:
أمرٌ مهم. على الأقل ...، نعم مهم.  
أوسكار:
جيّد جدًا إذَا، تلتقينه لاحقًا هذا الصباح. 
المرأة:
(تفكّر بصوتٍ عالٍ) سأقف في الشارع لأشاهد العابرين. 
أوسكار:
ماذا؟ 
المرأة:
الناس، من الرائع أن تشاهدهم، تشاهد العديد منهم. ألا تقف غالبًا لتشاهدهم وحسب؟ 
أوسكار:
لا يا سيّدتي، ليس غالبًا، فأنا مشغول جدًا بتحرير مجلّة عنهم.  
المرأة:
مؤكد أنك مشغول. هل تساعد في تحرير هذه المجلّة؟ (تلتفت إلى الملصقات الجداريّة) 
أوسكار:
أنا محرّر مشارك لمجلة "النّاس" 
المرأة:
هذا عظيم لشاب مثلك. هل يكتب السيّد ويلز في هذه الحجرة؟ 
أوسكار:
هذا مكتبه. 
المرأة:
(تنظر إلى المكتب) لا بد أن الكتابة معه في الحجرة ذاتها أمرٌ رائع بالنسبة لك.  
أوسكار:
حسنًا، لا أدري؛ ربّما كان رائعًا بالنسبة له، فأنا أوسكار تريب، الشاعر.  
المرأة:
(بغم) من الجيّد أن تكون شاعرًا. (صمت) سأعود لاحقًا. (تحمل حقيبتها) 
أوسكار:
يمكنكِ ترك الحقيبة هنا إذا لم يكن لكِ بها حاجة في هذه الأثناء. 
المرأة:
(تضعها أرضًا بقرب الباب) أوه، شكرًا، أرى أنك شاب لطيف. 
أوسكار:
ليس هذا ما يراه الرأي العام. 
المرأة:
لا أعلم لم يكون الرأي العام مخطئًا جدًا في الغالب. (تقف مفكّرة للحظة ثم تخرج) 
أوسكار:
لم أفهم تلك المرأة تمامًا. 


(يدخل الناشر: توم هو.)


توم:
يُستحسن أن أعرف إن كان لا يمكن لهذه الصحيفة أن تستمر. قد أحصل على وظيفة في "عالم المساء" (يواصل أوسكار الكتابة). هل يمكن أن تستمر؟ 
أوسكار:
لا أرى الكيفيّة التي يُمكن أن تستمر بها، لكن كثيرًا ما رأيت أنها لا تستطيع الاستمرار، لكنها استطاعت. ستستمرّ دون شك، وسنرى أيامًا أسوأ بكثير من هذه الأيام حد أننا سنقول: آه يا أيّام آذار الجميلة من عام ألف وتسعمائة وسبعة عشر التي انقضت! 
توم:
لكن، هل يمكنها دفع الرواتب؟ 
أوسكار:
(مصدومًا) أوه، لا. لا أعتقد، لكن يجب أن نعمل لأننا نحب عملنا.  
توم:
يجب أن نأكل لأننا نحب طعامنا. 
أوسكار:
ستعرف قريبًا. يوجد هنا اجتماع هذا الصباح. 
تدخل سارا. يخرج توم. يبدو زي سارا مثل زي سيّدة أعمال شابّة، مظهرها بسيط ويفصح بوضوح عن امرأة مستعدة للعمل في سبيل ما تؤمن به. 
سارا:
ألم يأت إد بعد؟ 
أوسكار:
لا. 
سارا:
هل حصل على أي دعم مالي؟ 
أوسكار:
لا يبدو هذا، كان نزقًا عندما هاتفني. ربّما لأنه يئس هذه المرة. 
سارا:
لا أريد أن أتوقّف. (تجلس إلى الطاولة وتنشر المخطوطة التي جلبتها معها) 
أوسكار:
لا يجري الأمر وفق ما نريد، بل ما يريد الناس، وليس هنالك الكثير بما يكفي ممّن يريدوننا. 
سارا:
لا بد أن الخطأ يكمن فينا. 
أوسكار:
لا أظن ذلك. يكمن الخطأ في الفشل، الفشل في ... 


(يدخل الرسّام.)


الرسّام:
سأخبركم أين يكمن الخطأ. كان علينا أن نمنح المزيد من المساحة للصور، ونقلل من المواد القرائية الغبية. (يأخذ مقعدًا على الطاولة) 
أوسكار:
لقد منحنا الكثير من الأوراق البيضاء باهضة الثمن للصور، والقليل للمواد القرائية خاصةً الشعر، وهنا يكمن الخطأ.  
يدخل إدوارد ويلز، المُحرِّر. 
إد:
سأخبركم أين يكمن الخطأ. (يُشير أولًا إلى الرسّام، ثم إلى أوسكار) هنا! هذا فقط. كل شخص يروّج لبضاعته، الكيان برمّته لا يهم أحدًا بشكلٍ كافٍ. 
أوسكار:
(ناهضًا) سأخبرك أين يكمن الخطأ. (يشير إلى إد) هنا! هذا! رئيس التحرير العائد من رحلة طويلة، والكلمات الذهبيّة الأولى التي سقطت من شفتيه كانت لومًا لمرؤوسيه المخلصين.  
سارا:
كيف حالك إد؟ 
إد:
تالف. لا أطيق عربات النوم، دائمًا ما تصيبني بالبرد. 
سارا:
هل وُفِّقت؟ 
إد:
(يقوّس كفّه خلف أُذنه، إشارة إلى رغبة الاستماع) ما الأخبار؟ 


(يدخل التوجه الجاد.) 


التوجه الجاد:
سمعت أنكم قد تضطرون إلى التوقّف. 
إد:
(جالسًا إلى مكتبه، يشرع في النظر إلى البريد) يبدو أن هذا ما سيحدث. 
التوجه الجاد:
دعني أخبرك الآن ما المشكلة وكيف يمكنك أن تحلّها. قد خافت "الناس" من أن تكون جادّة، لكنكم تتعاملون مع الأفكار، وعليكم بناءً على هذا أن تتعاملوا معها بوعي. يوجد مكان لصحيفة معارضة جادّة تمامًا، إنما هذه الحماقة والسخرية ... 


(تدخل اللمسة المرحة.) 


اللمسة المرحة:
إد، جئت لرؤيتك، لأقول أنني أتمنى أن تكون الأخبار التي سمعتها غير صحيحة. 
إد:
إذا كانت سيئة فهي صحيحة.  
اللمسة المرحة:
حقًا، كم هذا مؤسف، لكنكم قد كنتم جادّين للغاية، لمسة أكثر مرحًا هي ما تحتاجه "الناس"، فهي بثقل وحل. جرّبوا شيئًا من الأساليب الهزليّة لبعض الوقت. كنت في المبنى فجئت لأطلعك على رأيي في مشكلتكم.  
أوسكار:
لو كان لدينا مشتركون بقدر ما لدينا من أشخاصٍ يخبروننا سبب مشكلتنا ... 


(يدخل الفيلسوف والأناركي والناشر يتبعهما في يده صفحة من المخطوطة.) 


إد:
سيخبرنا الفيلسوف والأناركي الآن ما مشكلتنا.
الأناركي:
البرجوازيّون الملاعين، يجب أن تطبع على غلاف كل عدد "لا نعبأ بالبرجوازيّة! الخنازير!" 
الفيلسوف:
تكمن مشكلة الصحيفة في الكفاءة.  


(ينهضون عن مقاعدهم، يقع الناشر مصطدمًا بالجدار، ثم يغادر الحجرة مترنّحًا.)  


إد:
عزيزي الربّ، يوجد ما يبدو أنني لا أستطيع احتماله! 
الفيلسوف:
اعملوا بلا مبالاة، حينها سيكون العمل أكثر مثاليًة ، يجب أن تكونوا أقل وضوحًا وسينتج عن هذا المزيد من الوضوح، لا يجب أن تعرف ماذا تريد، وحينها ستعثر على ما تطارده.  
أوسكار:
تتحدّث كما لو أننا لم ننجح. لكنني سمعت في الليلة الماضية عن امرأة في برونكسفيل تحتفظ بمجلة "النّاس" تحت سريرها، حتى لا يعرف زوجها أنّها تقرأها.  
الأناركي:
لو أنكم قد نجحتم، لأشعلتم هذه المرأة بشجاعةٍ عظيمةٍ تركن بها "النّاس" على الوسادة، وهي فخورةً! 
الرسّام:
(يرسم الأناركي) رسوماتي من وضعتنا تحت السرير. 
أوسكار:
(بغرور) لقد أُخطرت، بوضوح، أن نصّي الأخير "حديث مع الرب" هو ما وضعنا تحت السرير. 
الأناركي:
ألا ترون أن تنازلكم، أنتم أنفسكم، للبرجوازيّة هو ما جعلها تضعكم تحت السرير؟ البقر! السُذّج!  
الرسّام:
( ما يزال يرسم الأناركي) يجب أن تحوي المجلّة المزيد من الصور. 
أوسكار:
يجب أن تحوي المزيد من الشعر. (يشزر أحدهما الآخر). 
التوجه الجاد:
يجب أن تكون المجلّة أكثر جديّة. 
اللمسة المرحة:
يجب أن تكون أكثر هزليّة. 


(يدخل الصبي من جورجيا، زيّه زيّ صيادٍ دخله جيّد.) 


الصبي:
هل هذا مكتب "النّاس"؟ 
أوسكار:
لا، هذا مستشفى المجانين.  
الصبي:
(بعد دقيقة أمضاها مذهولًا) أوه، أنت تمزح! (بصوتٍ خفيض) أتعرف؟ كنت أتساءل إذا ما كنتم تمزحون هنا أم لا، لكنني توقّعت أنكم تمزحون. (يتقدم خطوة) جئت لرؤية المحرّر، أود اخباره ... 
إد:
العديد من النّاس يخبرونني العديد من الأشياء، هل يُمكنك أن تؤجل حديثك قليلًا؟ 
الصبي:
أوه، حسنًا، بالطبع لا بد من أن هنالك العديد من الأمور المهمّة التي يخبرك الناس بها. 
أد:
بالطبع، الكثير.  


(يخرج الصبي من الباب الخلفي، على مضض.)


الرسام:
(الذي كان ينظر شزرًا إلى أوسكار طيلة الوقت) نيابة عن الرسّامين، أريد أن أقول الآن ... 
أوسكار:
نيابةً عن الكتّاب، أرغب أن أقول قبل أن نواصل ... 
التوجه الجاد:
توجّه أكثر جدّيّة ... 
اللمسة المرحة:
لمسة أكثر مرحًا ... 
الأناركي:
نيابة عن الأناركيين ... 
الفيلسوف:
نيابةً عن الحقيقة ... 


(يرنّ الهاتف، أوسكار يجيب. يدخل الرجل من كيب، بطيئًا ومتثاقلًا.)


إد:
قد جئت لتخبرنا شيئًا عن هذه المجلّة؟ 
الرجل:
نعم. 
إد:
اصطفّ قبلك أناس عدّة، هلّا انتظرت دورك؟ (نظرة خذلان) سأسعد بلقائك حالما أستطيع. هناك، في المكتب الخارجي. (يُشير إلى الباب الخلفي) 


(في اللحظة التي وقف فيها الرجل هناك، بدا مثل مجسم ثقيل أصم، ثم خرج ببطء شديد.)


أوسكار:
(يغلق السمّاعة) فاتورة شركة مورتيز للورق يجب أن تدفع اليوم. وهنا (يُخرج من درجه رزمة من الفواتير)  
التوجه الجاد:
كنتم ستتمكنون من دفع الفواتير لو لم تخشوا الجديّة. 
اللمسة المرحة:
كنتم ستتمكنون من دفع الفواتير لو لم تخشوا المرح. 
التوجه الجاد:
(من عند الباب برصانة شديدة) توجه أكثر جدّيّة سينقذ "النّاس". 
اللمسة المرحة:
لمسة أكثر مرحًا ستحقق الغاية. 


(يخرجان.) 


الأناركي:
(يتوجّه إلى مكتب المحرر ويخبطه) تبًا للبرجوازيّة! القردة! 
كفاءة الفيلسوف أوقدت الحماس.  
إد:
حسنًا، طالما الحماس جيّد ومتقد، هل يمكنني أن أطلب، باسم الكفاءة، أن يغادر كل من لا ينتمي إلى المكان؟ حتى نواصل عملنا. 
الفيلسوف:
ستزداد الكفاءة في بقائنا، سيكون هنالك شكل. تفتقرون إلى الشكل. 
الأناركي:
بل تفتقدون الشجاعة أيّها الحمير! 
إد:
سيثقفنا الاستماع إليك يا ليو وأنت تستعرض المملكة الحيوانيّة؛ العلاجم، التماسيح، والعديد من الحيوانات الأخرى التي لم تذكرها بعد. لكن المملكة الحيوانيّة كبيرة بينما نحن لدينا عمل ننجزه. 
الفيلسوف:
تفتقدون الشكل في عملكم، وبالشكل لا أقصد ما تظنّون أنني أقصده، إنما ذاك المعنى الخاص باللامعنى، الشيء الأساسي بالنسبة إلى ... 
إد:
لا يمكننا أن نفهم ما تقول، فلماذا تخبرنا به؟ 
الفيلسوف:
لا (يتوجّه إلى الباب) لا يمكنكم فهمه. (يخرج) 
الأناركي:
ارقد في سلام. (يؤدي إشارة التبريك بيده، ثم من عند الباب مُصفِّرًا) أمّهات أربعة وأربعين! (يخرج. يضحك الجميع) 
إد:
أصدقاؤنا هم مشكلتنا! 
سارا:
(بهدوء) حسنًا؛ نكون أو لا نكون، أظن أن هذا أمرٌ عائدٌ إليك يا إد.  
إد:
أخبريني فقط، من أجل ماذا سنستمر؟ حتى نجلب بضعة أشخاص آخرين مثل الأعزاء الذين غادرونا للتّو؟ يبدو لي أننا نخدم المجتمع أكثر بعدم الاستمرار. ماذا نفعل بالضبط؟ غير البقاء تحت السرير في برونكسفيل. شيء متعفن على وجه التحديد ما يزال مستمرًا، لدينا مقالات تُثير غضب القليل من الناس لكننا لم نغيّر شيئًا.  
سارا:
لدينا محفّز آخر، نحن نعبّر عن أنفسنا بصدقٍ بالغ وبساطة شديدة، حد أننا نعبّر عن النّاس. 
إد:
(بضجر) النّاس. أنظر إليهم عبر هذه القارة، أوه .. لقد تعبت كثيرًا من النظر إليهم؛ في المزارع والبلدات والمدن. يبدون مثل الدمى التي تشحنها فتعمل لفترة معيّنة. لا يريدون أن يُعبّر عنهم، فهذا يفقدهم توازنهم.
كلما أطلت النظر إليهم بدا لي كم يثير السخرية اعتقاد أن علينا أن نقدم حياتنا إلى (يلتقط المجلّة ويقرأ) "الناس؛ صحيفة الثورة الاجتماعيّة"، يجدر بنا حذف العنوان الفرعي بالتأكيد، ماتت الثورة الاجتماعيّة.  
أوسكار:
لا تذكر أنك قد عدت بأي أخبار، أليس كذلك يا إد؟  
الرسام:
(يتناول المجلّة) بدلًا من العنوان الفرعي يمكننا أن نضع تصميمًا. أفضل بكثير. (ينظر شزرًا إلى أوسكار ثم يواصل الرسم) 
سارا:
هذا مختلف كثيرًا عما شعرت به قبل سنة يا إد، كانت لديك رؤية حينها. 
إد:
لا يمكن الاحتفاظ بالرؤية في هذا المكتب. سهل بما يكفي أن تحمل شعورًا جيدًا تجاه الجنس البشري إذا لم يكن حولك أيًا منهم. المشكلة في فعل أي شيء لأخيك الإنسان أنك تضطر حينها للقيام به مع القليل من الناس. أوه، بالتأكيد هذا ليس عدلًا. نحن نهتم، أقول هذا نيابةً عنّا. حتى أوسكار يهتم، وإلا لما عمل بالطريقة التي يعمل بها. لكن ماذا نتج عن اهتمامنا؟ لم يتصل بأي شيء، ويعلم الرب أن اهتمامنا لن يجعل أي شيء جميل جدًا بالنسبة لنا. على العكس، يوجد ما يثير الشفقة حيالنا.  
أوسكار:
أو ربّما مثير للسخرية وحسب؟ 
سارا:
دعني أقرأ لك شيئًا يا إد. (تلتقط المجلة وتقرأ ببساطة شديدة) "نحن نعيش الآن، ولن نعيش طويلًا، كما لا يستطيع أحد أن يؤكد لنا أننا سنعيش مُجدّدًا. هذا عمرنا القصير وفرصتنا الوحيدة. فرصتنا التي نأخذها مثل طفلٍ قادم من غرفة مظلمة يتوجب عليه العودة إليها، قدم في ظهيرة مشمسة إلى تلة جميلة، فوجد جحرًا زحف إلى داخله وبقي إلى أن غابت الشمس. أريد أن يعرف ذاك الطفل أن الشمس تشرق على زهورٍ تتخلل العشب. أريده أن يعرف هذا قبل أن تتوجب عليه العودة إلى الغرفة المظلمة. أتمنى لو كان لدي مزامير لأناديه بها إلى قمة التلّة المطلة على البقاع الجميلة. أنا شخصيًا سأرى أبعد لو تمكّن الطفل من الرؤية. ربما أستطيع أن أناديكم فأنتم تدركون يا من قد حلمتم، يا من تحلمون الآن، والإدراك يدفعكم إلى الاهتمام. تحرّكوا! أفلتوا ممّا يمسك بكم. إذا تحرّكتم سيتحرّك الآخرون. تعالوا! الآن، قبل أن تغيب الشمس." (بهدوء شديد) أنت من كتب هذا يا إد. 
إد:
نعم، كتبته، هل تودّين أن تعرفين لماذا؟ لأنني كنت غاضبًا من أوسكار وأردت أن أكتب شيئًا يُشعره بالخجل من نفسه.  


(بينما سارا تقرأ، تظهر المرأة على الباب، وقد خطت عدّة خطوات إلى داخل الحجرة كما لو أن الكلمات التي سمعتها قد جذبتها. خلفها الصبي القادم من جورجيا والرجل القادم من كيب.)

المرأة:
(تتقدّم) لا أصدق أن هذا حقيقيّ! لا أصدّق أن هذا حقيقيّ! قد تظن أن هذا ما دفعك إلى أن تكتب هذه الكلمات، لكن ليس هذا هو السبب الحقيقي. لقد كتبتها لأن هذه هي الحقيقة الحيّة، لأن هذه الحقيقة سرت داخلك، وكان عليك أن تقولها.  
إد:
(ناهضًا) من أنتِ؟ 
المرأة:
أنا واحدة من النّاس. كنت أعيش في مكانٍ بعيد، سمعت هذا النداء فتوجّب علي أن آتي.  
الصبي:
(بمرح) وقد جئت أنا أيضًا، من جورجيا. قرأتُ ما كتبتَ فلم أعد أرغب البقاء في المدرسة بعد ذلك. قلت: "أريد شيئًا مختلفًا، أريد شيئًا أكبر يشبه هذا." سمعت أنكم غير قادرين على بيع صحيفتكم في أكشاك الجرائد، فقط لأن العديد من الناس لا يريدون أي شيء مختلف أو أكبر. فقلت لنفسي: "سأبيع المجلّة! سأذهب وأبيعها في الشوارع!" شعرت بالحماسة الشديدة حيال الأمر إلى درجة أنني لم أبق للرقص. هنالك رقص هذه الليلة، ولدي فتاتي أيضًا. 
المرأة:
لم ينتظر الرقص حتّى. 
أوسكار:
يعوّل المثاليّون على المثقفين ويوجّهون لهم النداء. 
إد:
(متحدّثُا إلى الرجل) وأنت ماذا تركت يا صديقي؟ 
الرجل:
(بثقل) مزرعة محار. أنا من كيب، كانت لدي فرصة لمشاركة أحدهم في مزرعة المحار. قرأت ما كتبتَه، حين تخلّصت امرأة قد أوقفت سيارتها من المجلة، فقلت لنفسي: "لستُ أنا نفسي سوى محارة، أعتقد أن الحياة ستدبّ فيّ." 
إد:
لكن جئت إلى هنا من أجل ماذا؟ 
الرجل:
حسنًا، من أجل ما تبقى. 
إد:
ما تبقّى من ماذا؟ 
الرجل:
ما تبقّى ممّا لديكم. 
الصبي:
نعم، هذه هي! لقد جئنا من أجل ما تبقى لديكم. 
أوسكار:
هذا يربك إد. 
المرأة:
امنحه لنا.  
إد:
ماذا؟ 
المرأة:
ما تبقّى. 
إد:
(بعدما صمت لبرهة) لم يتبق لدي شيء لأعطيه. 
الصبي:
لكنك أوهمتنا بأن لديك ما تعطيه. أنت من قادنا إلى الإيمان بأن لديك ما تعطيه. 
المرأة:
بل لديك! لو لم يكن لديك المزيد لتعطيه لما استطعت أن تعطي ما أعطيت. 
أوسكار:
مربك جدًا. 
المرأة:
لقد قلت: " أناديكم أنتم، فأنتم تدركون يا من قد حلمتم، يا من تحلمون الآن، والإدراك يدفعكم إلى الاهتمام." حسنًا، ها هنا ثلاثة منّا، قد جئنا من الجنوب والشرق والغرب لأنك جعلتنا نريد شيئًا ليس لدينا. نريده بشدة حتّمت علينا قطع طريقٍ ظننا أنه مؤدٍ إليه، قبل أن تغيب الشمس." 
الصبي:
ظننّا أن للنّاس هنا حياة، حياة أكبر ومختلفة. 
أوسكار:
ربما من الأفضل أن نذهب يا إد المسكين. 
إد:
أرجو أن تخرس يا أوسكار. 
المرأة:
أعرف أنك ستمنحه لنا. 
إد:
ماذا أمنحكم؟ 
المرأة:
ما لديك للنّاس. (يسعل أوسكار) ما جعلتنا ندرك حاجتنا إليه. 
أوسكار:
ما كان يجدر بك أن توجه نداءً شخصيًا، كما كان يجدر بك أن تبعث حاجاتك بالبريد.  
إد:
أوسكار، حاول وتصرّف كما لو أنك تملك روحًا.  
المرأة:
أظن أن لديه روح. (تلقي نظرة على أوسكار، ثم بدفء) على الأقل لديه قلب، إنما يشعر أن عليه أن يكون ساخرًا. لكن أنت، أنت لن تتركنا نذهب وحسب، أليس كذلك؟ لقد تخلّى عن مزرعة محار، وهذا الصبي لم ينتظر الرقص حتى، وأنا قد تخلّيت عن شاهدة قبري.  
إد:
شا... 
المرأة:
نعم، شاهدة قبر. هنالك قول في عائلتنا نسمعه كثيرًا: "ليس لديه حتى شاهدة تُعلّم قبره." قالوها كثيرًا جدًا، وبرصانة شديدة جعلتني أعتقد أنها ذات معنى. أنا أخيط، خياطة عاديّة، لكن كثيرًا ما قلت لنفسي: "لا بأس، سأمتلك على الأقل شاهدة تعلّم قبري." حينها، كان هناك رجل يلقي خطب على عمال المناجم، أعيش في بلدةٍ في آيدهو، كان الرجل يحمل مجلّتكم، وقد تركها في المتجر. قال لي صاحب المتجر عندما ذهبت لشراء خيوط: "انظري، أنتِ تحبين القراءة، ألا تريدين هذه؟ أرجو أن تأخذيها، لو رآها بعض النّاس سيظنّون أنني لست الرجل الذي يجدر بي أن أكونه." من أجل الغلاف بالطبع. 
الرسام:
(مبتهجًا) غلافي! 
المرأة:
(بعد ابتسامة للرسّام) فحملتها معي إلى البيت، وعندما أنهيت عملي تلك الليلة؛ قرأت كلماتك العجيبة. كانت كلماتك مثل ربيع، لو كنت قد عشت في أماكن مجدبة ستدرك ما أقصد. كلماتك قد جعلتني أدرك أن شاهدة قبري خالية من المعنى بقدر خلو ... حسنًا (مع ضحكة خفيفة) بقدر خلو شاهدة قبر من المعنى، لذلك كان علي أن أعثر على شيءٍ يحل محلّها.  
سارا:
(تنهض وتتوجّه إلى المرأة) تحدّثي إليه، أخبريه بهذا. تعال يا أوسكار.  
الصبي القادم من جورجيا:
ما دام هنالك الكثير من الشك حيال هذا الأمر، ربّما من الأفضل أن أبعث ببرقيّة لوالدي، تعلمون؛ لا تعرف عائلتي أين أنا، قدمت إليكم وحسب. 
المرأة:
لم يبق للرقص حتّى. 
الصبي القادم من جورجيا:
سأسعد ببيع المجلّة. (ينظر إلى كومة منها على الطاولة) هنا، هل آخذ هذه؟ سأوقف الناس في الشوارع وأخبرهم لماذا أبيعها. 
أوسكار:
لا، لا يمكنك، ستُعتقل.  
المرأة:
دعه يبيعها، ما دمتم تتبنّون الفكرة الصائبة، بماذا تخالفون القانون ؟ 
أوسكار:
لقد حمّلتنا الفكرة الصائبة ما يكفي من المشاكل سلفًا.  
الرجل:
يوجد ما هو يقيني حول مزرعة المحار.  
أوسكار:
تعال معي لنحتسي شرابًا، يوجد ما هو يقيني حيال هذا أيضًا. 
المرأة:
كان قد احتسى شرابه في البيت لو أراد.  
سارا:
(للرسام) هل أنت قادم يا جو؟ (للصبي) عظيمٌ أنك أردت مساعدتنا، علينا التحدث حول ... 


(يخرج الجميع بإستثناء المرأة ورئيس التحرير، صمت.) 


المرأة:
يؤسفني حالك. 
إد:
لماذا؟  
المرأة:
(بارتباك وحزن) لأن لديك العقل الذي تقول به هذه الأشياء، دون الروح التي تؤمن بها. لا أستطيع أن أقولها، مع هذا لدي ما ينقصك، (بيقين أشدّ) أنني أعرف أن ما قلتَه هو الصواب. 
إد:
هل تجلسين؟ 
المرأة:
لا، سأذهب. (تقف غير جازمة) لا أعلم لماذا أشعر بالخذلان؟ أظن أنه من غير العدل أن أطلب منك أن تكون كبيرًا بحجم الحقيقة التي رأيتها. لماذا أفترض أنك ستكون؟ 
إد:
آسف، أظنّ أنّكِ تتحسّرين الآن على شاهدة قبركِ. 
المرأة:
لا، كان قطع هذه المسافة عابرة هذا البلد ورؤية كل هؤلاء الناس أمرًا رائعًا، يبدو كما لو أن القطار المتحرّك قد حرّك شيئًا في داخلي. ولّد لدي أفكار لا تشبه أي أفكار قد عرفتها من قبل. كانت كلماتك ربيعًا بزغ في جدب عقلي. فكّرت كيف سمّيت صحيفتك "صحيفة الثورة الاجتماعيّة" وقلت لنفسي: "هذه هي الثورة الاجتماعيّة، معرفة أن شاهدة قبرك لا تهم." (تنظر إلى الفراغ) هذه هي الثورة الاجتماعيّة. 
إد:
(ينظر معها) 
المرأة:
(كما لو أنها تعبر أمامها) سهل، وأشجار معتمة على هاوية بعيدة، مقابل هذه الأشجار منزل صغير وحظيرة كبيرة؛ أرض مستويّة مُسيّجة، جذّامة وصدوع، خيل تنتظر لتدخل الحظيرة. أبقار تقف متحلّقة حول المضخّة، فناء مُبلّط. حوض ماء، شارع واحد يؤدي إلى البلدة الصغيرة. الريف ساكن جدًا كما لو أنه ميّت. الأشجار مثل آمالٍ مهجورة. المقابر على التلال تتوسّع بسرعة. لاحظت هذا أولًا لانشغالي بشاهدة قبري، ثم بدأت التفكير في النّاس، النّاس الذين أمضوا جُلّ حياتهم بالقرب من المكان الذي يقطنونه الآن. يوجد شيء في التفكير بهم، مثل الأبقار المتحلّقة حول المضخّة شديدة السكون والصبر، إنه ... نوعًا ما مؤلم، مباهجها: حقل مستوٍ مسيّج. كلماتك حملتني إلى كلماتٍ عظيمة أخرى. فكّرت في أبراهام لينكلون وما قاله عن الموتى. قلت هذا مرارًا، قلت أشياءً لم أعرف معناها إلى أن قلتها، قلت: "الحقيقة .. الحقيقة .. الحقيقة التي تتدفّق من حياتنا كما يتدفّق الماء من الصخور." ثم أدركت الحقيقة. (بحماس مختلف وبسيط) "دعونا نعزم هنا على أن موت هؤلاء الناس لن يكون هدرًا." أقصد جميعهم (إشارة عريضة ودودة) لتكن الحياة ما قد تكون، من الجميل أن كل شيء خلفنا يستحق ما كلّفنا من أجله.  


(يدخل الناشر، توم.)

توم:
لدي (يشعر بشيء غريب) آسف لمقاطعتكم، لكن لا تزال لدي فرصة للحصول على وظيفة في "عالم المساء" يجب أن أعرف إذا كانت هذه المجلة ستتوقّف. 
إد:
تتوقّف! لا تستطيع هذه المجلّة أن تتوقّف. 
توم:
لا تستطيع! لكن آخر ما سمعت أنها لا تستطيع أن تفعل أي شيء آخر. 
إد:
كان هذا ... منذ زمن بعيد. 
توم:
أوه، لديك ما تستمر به؟ 
إد:
نعم، لدي ما أستمر به. 
توم:
أرى هذا. (ينظر إلى المرأة كما لو أنه لم يرها منذ قليل، ينظر إلى حقيبتها) سعيدٌ لهذا، لكن يجب أن أتأكد من أن ... هذه هي الحقيقة.  
إد:
الحقيقة، الحقيقة التي تتدفق من حياتنا مثلما يتدفّق الماء من الصخور. (يتراجع توم). 
المرأة:
(تلتفت إلى الناشر بوجهٍ مشرق) حقًا، لا أحد يحتاج شاهدة قبر!
(تُغلق الستارة.)